صالح أحمد العلي

19

سامراء

والدواوين بعد احتراق السجلات ، وأرسل حملات لقمع حركات الخوارج في الجزيرة ، وحركات التمرد في بلاد الشام ومصر ، وبذلك عاد الاستقرار نسبيا إلى بغداد ، واطمأن أهلها ؛ ولكن هذا الاطمئنان لم يكن تاما ، فقد ظل فريق كبير لا يؤيده بمن في ذلك بعض كبار رجال الأسرة العباسية ممن كانوا يدعون إلى خلافة إبراهيم المهدي الذي كان ممن أيده ابن عائشة ، وهو من أحفاد إبراهيم الإمام ، كما أيده محمد بن إبراهيم الأفريقي ومالك بن شاهين ومؤيدوهم . وقد حاولوا إثارة الاضطراب وقاموا بإحراق بعض الأسواق ، فعلم المأمون بحركتهم وأعدم البغواري وسجن رؤساءهم ، ولكنه لم يعرض المؤيدين من القواد وغيرهم . وكان كثير من أهل الحديث لا يؤيدون المأمون ، مما حمله في أواخر حكمه إلى مناصرة المعتزلة ، وعبّر عن ذلك بكتب أرسلها من دمشق إلى واليه على بغداد بإلزام الناس ، وفيهم كثير من المحدثين ، على القول بخلق القرآن « 1 » . ثم سار المأمون إلى بلاد الشام ومصر ، فدخل دمشق ثم الفسطاط ليؤصل أهلها ويمكّن الثقة في نفوسهم . غير أن الاستقرار لم يكن استقرارا تاما ، فكانت الروم تهدد أطراف الدولة الشمالية ، وبابك يهيمن على المناطق الجبلية في أذربيجان ويتعاون مع الروم ، وكان الزط يعيثون بالأمن في جنوب العراق . فاهتم المأمون بأمر الروم وقاد بنفسه جيشا لقتالهم فأرهبهم تقدّمه ، ولكن المنية عاجلته قبل أن يحرز انتصارا حاسما عليهم . وكان المأمون بعد وفاة علي الرضا قد أغفل معالجة مشكلة ولاية العهد التي كانت مصدر قلق يهدد تماسك الأسرة العباسية ، فلما شعر بدنو أجله عمل على معالجة هذه القضية ، وأعلن تعيينه لولاية العهد أخاه المعتصم ، على أن يتلوه ابنه العباس .

--> ( 1 ) أوسع وأقدم الكتب عن أعمال المأمون وأحواله ببغداد هو كتاب « بغداد » لطيفور الذي طبع منه الجزء المتعلق بسنوات مجيء المأمون بغداد إلى وفاته ويتلوه في الأهمية ما كتبه الطبري في تاريخه .